أحمد بن يحيى العمري

119

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

كسور دمشق ، تنبو عنه العين . ومن جهة أن المدينة موضوعة على جبل ممتد السهل الأعلى بحيث تمهدت فيه الشوارع ، وترتبت الأسواق ، وقسمة النهر المعروف بنهر الذهب « 1 » ، وعليه قناطر يعبر الناس عليها ، وهواؤها من أجل ارتفاعها أطيب وأصح ، ولها زيادة أنها في وسط الإقليم الرابع المعتدل ، ودمشق في الثالث ، ولها كونها مكشوفة من جهة الشمال لها جبل يفصل بينها وبين هبوب ( ص 37 ) النسيم الرطب ولها في الخبون جبل الثلج يهب منه في الصيف نسيم يتنسم منه روح الحياة ، وهو الذي روّق أمزجة أهلها ، وأكسبهم الألوان البديعة ، من امتزاج الحمرة بالبياض ، التي تخجل ورد الرياض ، وتزيد عليها بأن المياه لا تنقطع منها صيفا ولا شتاء ، لأن الأنهار تشقها وتدير الأرجاء ، في داخل المسوّر ، ودمشق محجوبة من الشمال منخفضة ، إذا انقطع عنها الماء المجلوب لها في القنوات بقيت جيفة ، وتزيد عليها غرناطة بكثرة الأنهار ، فإن أنهار دمشق سبعة « 2 » ، وأنهار غرناطة التي تنصب إليها من جبل الثلج أكثر من ذلك ، وأن أنهار غرناطة تنصب من الجبل على رؤوسها في صخور ، تحسن بتقطيعها عليها ، وجريتها ما بين الجنادل والحصى . وأنهار دمشق تأتي بين دمن البساتين في أرض سهلة رخوة ، فيقل ماؤها ، ويحدث منه من الوخامة ما هو مشهور ، وكان القاضي الفاضل يقول ماء دمشق يتخلّل منه أراد أن الأزبال التي تتخذ للبساتين تمتزج معه ، لأن أنهار الغوطة تشق بكليتها بساتينها ، وأنهار غرناطة تخرج منها مذانب تنقي في تصرفها ، ويبقى جماهير الأنهار تتخلل مروج البسائط ، وتزيد غرناطة على دمشق في الفرجة العظمى بأنها تاج مشرف على بسيط يمتد نحو يومين ، لا ترى

--> ( 1 ) هذا الذي ذكرته في الهامش السابق . ( 2 ) هي نهر بردى ويزيد وثورا والفيجة ، والديراني والقنوات والحاصباني . وانظر المسالك دولة المماليك 183 .